أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
49
العقد الفريد
توسط الأمور من ذلك قولهم : لا تكن حلوا فتسترط ، ولا مرا فتعقى . أي تلفظ . يقال : أعقى الشيء ، إذا اشتدّت مرارته . قال الشاعر ولا تك آنيا حلوا فتحسى * ولا مرا فتنشب في الحلاق وتقول العامة : لا تكن حلوا فتؤكل ، ولا مرا فتلفظ . وتوسّط الأمور أدنى إلى السلامة . ومنه قول مطرّف بن عبد اللّه بن الشخّير : الحسنة بين السيئتين . وخير الأمور أوساطها ، وشرّ السير الحقحقة « 1 » . قوله : بين السيئتين ؛ يريد بين المجاوزة والتقصير . ومنه قولهم : بين الممخّة « 2 » والعجفاء ، يريد بين السمين والمهزول . ومنه قول علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : خير الناس هذا النّمط الأوسط ، يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي . الإنابة بعد الإجرام منه قولهم : أقصر لمّا أبصر . ومنه : أتبع السيئة الحسنة ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ، والندم توبة ، والاعتراف يهدم الاقتراف . مدافعة الرجل عن نفسه جاحش فلان عن خيط رقبته . وخيط الرقبة : النخاع ، يقول : دافع عن دمه ومهجته . وقالت العامة : وأيّة نفس بعد نفسك تنفع
--> ( 1 ) الحقحقة : أرفع للسير واتعبه للظهر . ( 2 ) الممخّة : الشاة بدا في عظامها المخ .